الأخبار افتتاح الموقع إقرأ المزيد

الأخبار الافتتاح التجريبي للموقع إقرأ المزيد

الأخبار دوترا تفتتح فرع جديد لسلسه وكلائها إقرأ المزيد

جهود المسلمين الأوائل للرقي بالزراعة

شارك وانشر
 

جهود المسلمين الأوائل للرقي بالزراعة
 (مادة مرشحة للفوز في مسابقة كاتب الألوكة)

 

أهمية الزراعة ونظرة الإسلام إليها:
تعدُّ الزراعة من المهن اللاَّزمة لحياة البشرية، والتي لا تحيا بدونها، وقد ورد في القرآن الكريم بعضُ الآيات التي تلفت انتباه الناس إلى ذلك؛ منها قوله - تعالى -: {وَآيَةٌ لَّهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ * وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ * لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ} [يس: 33]، وقوله: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 10]، وقوله - تعالى -: {وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 99].

وقد أمر الله - سبحانه وتعالى - البشر بالسَّعي والتنقيب في الأرض؛ لإخراج ما فيها من خيرات عن طريق الزراعة وغيرها؛ فقال - عزَّ وجل -: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك: 15].

ثم جاءت أحاديث رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهي المبينة المفسرة لمراد القرآن؛ لتحث المسلمين على الزراعة وبيان مَنافعها، من ذلك قوله: ((اطلبوا الرزق تحت خبايا الأرض))[1]، قال ابن طاهر المقدسي: هذا الحديث لا أصل له من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال أبو عبدالرحمن النسائي: "وهو حديث منكر، وقد رُوي من قول عروة".

وقوله أيضًا: ((الزارع يتاجر مع ربه))[2]، قال الزيلعي في "نصب الراية" (4/166): "غريب جدًّا".

ونهى - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن ترك الأرض بورًا دون زرع، فقال: ((من كانت له أرض فليزرعها، أو ليمنحها أخاه، فإنْ أَبَى فليمسك أرضه))[3].

وبيَّن - صلى الله عليه وسلم - أنَّ الزارع لا يجني ثِمارَ عمله في الدُّنيا فقط، وإنَّما زراعته وسيلة تقربُ إلى الله، كما يتقرب الغني بماله، فقال: ((ما من مسلم يزرع زرعًا أو يغرس غرسًا، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة؛ إلاَّ كان له به صدقة))[4]، وحذر من التهاون في أمر الزراعة بقوله: ((إنْ قامت السَّاعة وفي يد أحدكم فسيلة، فاستطاع ألا تقومَ حتَّى يغرسها، فليغرسها؛ فله بذلك أجر))[5]، وقال: ((من غرس غرسًا، كتب الله - عزَّ وجل - له من الأجر بقدر ما يخرج من ثمار ذلك الغرس))[6]، وقال: ((مَن نصب شجرةً، فصبر على حفظها والقيام عليها حتى تثمر، كان له في كل شيء يصاب من ثمرتها صدقة عند الله - عز وجل))[7].

فالإنتاج في رأي رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لا ينبغي أن ينقطعَ، والعمل ينبغي ألا يتوقف، حتَّى ولو بسبب اليأس من النَّتيجة؛ أي: قبل قيام الساعة بلحظة[8]، كما وضَّح رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّ العمل في الزراعة قد يكون مكفرًا للذنوب، فقال: ((مَن بات كالاًّ من عمل يده، أمسى مغفورًا له))[9]، ((وإنَّ من الذنوب ذنوبًا لا يكفرها إلاَّ السَّعي في طلب الرزق))[10].

ولما كانت الزراعة عرضة للإصابة بالآفات؛ مِمَّا يجعل الناس يحجمون عنها إلى غيرها، كما يحدث في بعض المجتمعات الإسلاميَّة الآن، وجدنا رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يُواسي من يصاب بذلك، ويَحثُّه على البقاء في عمله؛ حتَّى لا تختل أوضاع المجتمع، فقال: ((ما من شيء يصيب زرعَ أحدكم من العوافي، إلاَّ يكتب له به أجر))[11].

وجاء في الأثر: أنَّ الفرس اهتموا بحفر الأنهار وغرس الأشجار وعمروا البلاد، فعُمِّروا الأعمار الطوال، رغم ما كان فيهم، فسأل اللهَ نبيٌّ من أنبياء زمانهم عن سبب تعميرهم، فأوحى الله إليه أنَّهم عمروا بلادي، فعاش فيها عبادي[12].

وكان لتلك الأحاديث، وهذه الآثار التي حثَّت على الزراعة دَوْرٌ كبير في اتِّخاذ كافة التدابير نحو الاهتمام بالزراعة، اهتمامًا كَفَلَ لهم توسيع مجالات الرزق، وتحسين الوضع الاقتصادي[13]، خاصَّة أنَّ المنتجات الزراعية هي المصدر الأول للمواد الغذائية التي يعتمد عليها الناس في معاشهم، كما أنَّها تقدم أهم المواد الأولية في الصناعة، فالقطن والكتان من أهمِّ المواد في المنسوجات التي يلبسها الناس، والأخشاب ضرورية للبناء، ولصنع كثير من الأثاث، ثُمَّ إن كثيرًا من الأصباغ والعطور والأدوية تعتمد على المنتجات الزراعية[14].

كما أنها مما يضمن للإنسان طعامه، ويتحمَّل إصره، ويتكفَّل عبئه؛ لسد رمقه[15]، وأن الأمة مهما تقدَّمت في الإنتاج الصناعي، وعظُم شأنها، فكثر مالها وتضاعف يسارها، لا تزال تبقى عالةً على غيرها إذا لم تكفُل أرضُ بلادِها قُوتَها، كما تظل مجحفة الجوع، دائمة الخضوع لأعدائها[16].

مظاهر اهتمام المسلمين الأوائل بالزراعة:
وفهم الصحابة والمسلمون الأوائل ذلك - وكانوا خير سلف - فانطلقوا مطبقين لتعاليم الإسلام، التي تحث على الزراعة، رَغْم مشاغل بعضهم الجسيمة واستغنائهم، فهذا عثمان بن عفَّان - رضي الله عنه - يقول وقد سُئل: أتغرس بعد الكبر؟ فقال: لأنْ توافيني السَّاعة وأنا من المصلحين خير من أن توافيني وأنا من المفسدين، وقيل لأبي الدرداء وهو يغرس جوزة: أتغرس وأنت شيخ، ولا تُطعم إلا بعد عشرين سنة؟[17]، فقال: لا عليَّ بعد أن يكون الأجر لي[18].

وهذا عبدالرحمن بن عوف رغم غناه كان يمسك المسحاة بيده، ويحول بها الماء[19]، وطلحة بن عبيدالله كان أول من زرع القمح في مزرعته بالمدينة، وكان يزرع على عشرين ناضحًا، وينتج ما يكفي أهله بالمدينة سنتهم، حتى استغنوا عمَّا يستورد من بلاد الشام[20]، وكان أبو هريرة يرى المروءة في تلك الأفعال، فقد سئل مرة: ما المروءة، فقال: تقوى الله وإصلاح الضيعة[21].

ويُؤسفني ويؤسف كل قارئ لهذه الأحاديث والآثار أنْ يرى الشبابَ المسلمَ يتخلى يومًا بعد يوم عن الزراعة، ويلهثُ وراء الأعمال الأخرى، التي لا تُجدي مع مُجتمعنا شيئًا، وصار الفرق شاسعًا بين ما كانت تنتجه مجتمعاتنا في القديم، وما تنتجه الآن، وصار جُلُّ أقوات المسلمين في أيدي غيرهم، ولم ينفع كثيرًا إنشاء المؤسسات الزراعية ولا البحوث التقنية.

دور الأمراء في نهضة الزراعة عند المسلمين:
وازداد اهتمام المسلمين بالزِّراعة بعد أن اتَّسعت رقعة الدولة الإسلامية واستقرت أمورها، ويسروا كلَّ السُّبل لامتلاك الأراضي وتعميرها وزرعها؛ عملاً بوصية الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَن أحيا أرضًا ميتة فهي له))[22]، وأضحى الاهتمام بالزراعة من واجب الأمراء والحكام، وليس الأفراد فحسب؛ وذلك لأنَّ هؤلاء الأمراء كانوا يدركون تمامًا العلاقة بين الازدهار الزراعي، وزيادة الخراج الذي يعد أهم مصادر بيت المال، كما كانوا يدركون تمامًا العلاقة القوية بين حالة الزرع وبين الوارد.

واهتموا بإصلاحِ وسائل الري وتنظيفها، وبنوا السدود وشقوا القنوات والأنهار[23] التي لا يُحصى  عددها، لدرجة أنَّ مدينة كالبصرة وحدَها كان بها ما يزيد على مائة ألف نهر، يجري في جميعها السميرات، ولكل نهر منها اسم ينسب إلى صاحبه أو الناحية التي صب فيها الماء، وأقاموا الجسور والقناطر[24]، كما أقاموا السُّكُورَ على الأنهار للتحكم في كَمِّية المياه، ومثال ذلك: السَّكْرُ الذي أقيم على نهر العاصي عند شيزر، وكان سكرًا ارتفاعه عشرة أذرع يُسمونه الخرطلة[25]، والسكر المقام على بحيرة " أفامية"[26].

وبذلوا في سبيل ذلك أموالاً طائلة، واستخدموا لها عددًا كبيرًا من العُمَّال[27]، حتَّى ذُكر أن الحجاج بن يوسف الثقفي أراد أنْ يستكملَ نهر سعد في نواحي الأنبار، وكان دهاقينها قد سألوا سعد بن أبي وقاص من قبل أن يَحفره لهم، فجمع الرجال لذلك، فحفروا حتى انتهوا إلى جبل، فلم يُمكنهم شقه وتركوه فجمع - أي: الحجاج - الفعلة من ناحية، وقال لقُوَّامه: انظروا إلى قيمة ما يأكل الرَّجل من الحفَّارين في اليوم، فإنْ كان وزنه مثل ما يقلع، فلا تمتنعوا عن الحفر، وأنفقوا عليه حتى استتموه.[28].

وهذه سياسة حكيمة في النهوض بالزِّراعة، قلَّما يصل إليها أحد حتى في عصرنا الحديث.

إضافةً إلى ذلك، فقد أقام المسلمون شبكة من القنوات والمجاري الظاهرة فوق الأرض أو الجوفيَّة، التي حفرت تحت الأرض بطريقة هندسية محكمة الإتقان[29].

وما زالت تلك الأعمال تثير إعجابَ مُهندسي المياه في عصرنا الحديث، فهذا أحد المهندسين الأوربيين الذي زار العراقَ إبَّان الانتداب البريطاني يقول: "إنَّ عمل الخلفاء في ري الفرات يشبه أعمال الري في مصر والولايات المتحدة الآن"[30].

وبذلوا جهودًا كبيرة لتجفيف البطائح والمستنقعات، وعملوا على إزالة الأملاح التي تهدد بإفساد المزارع، وتحويل الأرض إلى سباخ بقشط الطبقة الملحية من على وجه الأرض وجمع الأملاح، أو بزراعة بعض النباتات التي تقاوم الملح كالحب والشعير[31]، وزرعوا كل نوع من النبات في التربة الصَّالحة له بعد أن درسوا صلاحية كل تربة ومناسبتها لأنواع النبات المختلف[32].

وحرصوا على ألا يبور أيُّ جزء من الأرض الصالحة للزراعة[33]، ليس هذا فقط؛ بل عمدوا إلى "المرتفعات والسفوح والجبال التي ما كان أحد يظن أنَّه يُمكن الاستفادة منها في الزراعة؛ لجفافها الدائم"[34]، فعمَّروها، وأنشؤوا عددًا كبيرًا من الطرق، وعنوا بصيانتها، وأقاموا الجسور حول الأنهار لمنع فيضانها[35]، حتى كان الأمراء والقواد يقومون بالإشراف عليها بأنفسهم[36].

كما عرفوا أيضًا تأثير المناخ على النباتات، ففي كتاب "فرائد الملاحة" يقول مؤلفه عن البنفسج: "والضباب إذا دام عليه يومًا وليلة دبله، البرد الشديد يفسده فسادًا لا صلاح بعده، والرعد المتتابع يُوهنه، ووقوع الدخان ربَّما أفسده"[37].

وعرفوا بعض الطُّرق المساعدة على سرعة نمو النبات مِثْلما يعرف الآن بالمخصبات، يقول ابن وحشية: "إنَّ خير وسيلة للإسراع بنموها هو أن تغمس البذور أو أطراف الأقلام في الزيت"[38]، وبحثوا في طبيعة الأراضي، وتكوين التربة.

ونظروا في كيفيَّة تكوين الأمطار وأهمية الرِّياح لسيرها، وفائدة الجبال وأثرها في توزيع الأمطار على شتَّى مناحي الكرة الأرضية، واعتنوا بتسميد الأراضي عناية كبيرة، بعد أن عرفوا السماد الصالح لكل نوع من النبات، فزاد مَحصول الأرض تبعًا لذلك زيادة واضحة[39]، وعرفوا التلقيح[40]، وكذلك عرفوا نظام التطعيم لبعض الأشجار[41]، واستخرجوا أصنافًا جديدة[42].

تقدير الأمراء المسلمين للفلاح ودوره:
وأهم من ذلك كله أنَّ أمراءهم حاولوا قدر الإمكان رفع العبء عن الزَّارع؛ حيثُ رفضوا جباية الخراج على الأراضي إلاَّ بعد مسحها؛ إحقاقًا للعدل، وأن يُراعى ما تحتمله الأرض من غير حيف بمالك ولا إجحاف بزارع[43]، فهذا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول: اتقوا الله في الفلاحين، لا تقتلوهم إلا أن ينصبوا لكم الحرب[44].

وهذا علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - يكتب إلى عامله "عبدالملك بن عمير": "لا تضربن رجلاً سوطًا في جباية درهم، ولا تبيعن لهم رزقًا، ولا كسوة شتاء، ولا صيف ولا دابة... ولا تقيمن رجلاً في طلب درهم، فقال عبدالملك: يا أمير المؤمنين، إذًا أرجع إليك كما ذهبت من عندك، فقال: وإن رجعت كما ذهبت، ويحك! إنَّما أمرنا أن نأخذ منهم العفو"[45].

وهذا زياد ابن أبيه يكتب إلى بعض عُمَّاله أنْ أحسنوا إلى الفلاحين، فإنَّكم لا تزالون سمانًا ما سمنوا[46]، ولما ماطل بعضُ الفلاحين أو أصحاب الأراضي في سدادِ الخراج في عهد العباسيين، وأراد بعض الأمراء تعذيبَهم حتى يُجبروهم على سداده، شاور الخليفة المهدي محمد بن مسلم، فقال: يا أميرَ المؤمنين، هذا موقف له ما بعده وهم غرماء المسلمين، فالواجب أن يطالبوا مطالبة الغرماء... فتقدم إلى أبي عبيد الكاتب بالكتاب إلى جميع العمال برفع العذاب عن أهل الخراج[47].

وكان كثيرٌ من أمراء المسلمين فيما بعد يسلفون الفلاحين؛ لينفقوا على زروعهم دون مقابل؛ تشجيعًا لهم على الزراعة[48].

وكان الأمراء يوصون الجند الذين يذهبون للجهاد بعدم التعرض للفلاحين أيًّا كانت ديانتهم، فهذا أحد الخلفاء العباسين ينصح قائده أثناء سيره بالجيش: "أن يمنع الجند أن يتخطوا الزُّروع، وأن يطأها أحد منهم بدابته، ويَجعلها طريقه في مقصده، وألا يأخذوا من أهلها الأتبان إلا بأثمان ورضا أصحابها[49]، وصار من الأقوال المأثورة عند الأمراء: "أحسنوا إلى المزارعين، فإنَّكم لم تزالوا سمانًا ما سمنوا"[50].

وبذلك وجد العامل أو الزارع تحت ظل الإسلام الدَّوافع التي تحثه على العمل بنفس راضية مطمئنة، وأحس أنَّه يجني ثمار عمله لنفسه بعد أن كان في ظل الدول السابقة - كالدولة الرومية مثلاً - يُعد من توابع العقار، فينتقل العقار من مالك إلى آخر، وفلاحوه معه يسمونهم الأقنان - جمع قنّ - إلا الذين تَسمُو بهم هممهم إلى التقرُّب إلى رجال الدولة"[51].

وضرب المسلمون بتلك الجهود مثلاً رائعًا في المهارة الزِّراعية، حتى قال بعض المستشرقين: "إنَّهم أول من نظم ممارستها بقوانين، وإنَّهم لم يقتصروا على العناية بالمزروعات... وإنَّما اعتنوا عناية فائقة بتربية القطعان، وخاصَّة الأغنام والخيل، وإن أوروبا لتدين لهم بإدخال التجارب الكُبرى، وجميع أنواع الفواكه الممتازة... وإضافة إلى المزروعات الأصغر شأنًا، مثل: السبانخ والكراث"[52]، وصار ما ينتجونه من محاصيل يقارب "مائة نوع من الحبوب والخضر والفاكهة والأزهار"[53].

وكان من نتيجة هذا الاهتمام وتلك الجهود "أنْ نَمت الأراضي والثروة الزراعية على طول امتداد العالم الإسلامي، من أواسط آسيا شرقًا إلى المحيط الأطلسي غربًا؛ بحيث لا يقع البصر فيها إلا على خضرة يتصل لونها بلون السماء الأزرق"[54].

وسبق المسلمون العالم في الازدهار الزِّراعي، ونقلوا ذلك إلى أكثر الأماكن التي فتحوها أو نزلوا بها؛ يقول شكيب أرسلان: "فإنَّ هؤلاء القوم لم يحلوا في مكان إلا طبقوا الأراضي بالعمل... وشقوا تحتها الجنان"[55].

أثر التطور الزراعي عند المسلمين الأوائل:
وأنتج المسلمون كل ما يحتاجونه حتَّى قال أحد من أرَّخوا للحضارة: "لم أسمع أنَّ المسلمين في شتى الأرجاء كانوا يستوردون سلعًا غذائيَّة من خارج أقطار الوطن الإسلامي[56]، ووضعوا المؤلفات العلمية التي عرفوا فيها خواص التربة، وكيفية تركيب السماد، كما أدخلوا تحسينات جمة على طرق الحرث والغرس والري[57].

وأصبحت الزراعة علمًا له أصوله وقواعده، شأنها في ذلك شأن باقي فروع العلم والمعرفة[58]، وذلك بعد أنْ ظهرت المؤلفات العلميَّة في هذا المجال في كثير من الأقطار الإسلاميَّة، وظهر الكثير من المصنفات العلميَّة القيمة التي تعكس هذا الاهتمام، وتقدم مادة غنية بالمعلومات المبنية على الملاحظة والاستمرار بتتبع مظاهر الحياة في النبات والحيوان، غير أنَّ مُعظم هذه التصانيف لم تكن كتبًا مستقلة[59].

كما وضعوا المؤلفات في كيفية استنباط المياه، وحفر الآبار، والاحتيال في زيادة ماء البر، وإطلاع - استخراج - الماء من عُمق بعيدة، ومعرفة أماكن وجوده في باطن الأرض قربًا أو بعدًا دون حفر[60]، وتغير طعم المياه، واختلاف طبائعها وأفعالها، وصفة إفلاح التلقيح وزرعه وغرسه... ودراسة أنواع النبات، وكيفية زرعها وتسميدها، وكيفية عمل البيادر وخزن الحنطة[61]، كما تناول بعضها تقسيم الأراضي وأنواعها، وما يصلح للاعتمار منها، وطريقة جلب الماء ومقدار الماء اللازم، وطريقة الازدراع، وتنظيف الأرض المعتمرة، وقلع الأشجار أو النباتات التي تضر بالأرض[62].

وظهرت أيضًا "المؤلفات التي تُعنى بالنبات وأسمائه وأسماء الأشجار، وبيان بعض فوائده واستخدامه؛ مثل: كتاب "الشجر" لابن خالويه (ت 370هـ)[63]، وكتاب أبي العباس أحمد بن محمد العشاب، الذي تردد بين الشام والأندلس، وكان له معرفة بالعشب والنَّبات، وهذا الكتاب رتب فيه أسماء الحشائش على حروف المعجم[64]، ومنها كتاب "الفلاحة والعمارة" للسميساطي أبي الحسن علي بن محمد العدوي، الذي كان معلمًا لأبي تغلب بن ناصر الدولة[65]، وكتاب "الفلاحة" لعلي بن محمد بن سعد[66]، وكتاب "الفلاحة" لابن وحشية[67].

وهذه الكتب وغيرها مما تركه لنا بعضُ عُلماء العرب من الكتب الزِّراعية، التي طبع بعضها بلغتنا في أوروبا - دليلٌ كبير على ترقي هذا الفن أيام لَم يكُن في الأرض مَن يُحسن ذلك[68].

تلك كانت جهود سلفنا الصالح في مجال الرقي بالزراعة، التي أفادوا بها البشرية، وهي تظهر لنا أنهم لم يقصروا جُهدهم على تقديم الزاد الروحي فقط - كما يظن الكثيرون - وإنَّما قدموا معه زادًا ماديًّا؛ ليجمعوا للناس بين خيري الدنيا والآخرة.

 

ــــــــــــــــــــ
[1] انظر: محمد بن عمر الزمخشري، "الفائق في غريب الحديث"، (1/3500)، وأحمد بن حنبل، "فضائل الصحابة"، (1/313)، والسيوطي، "الجامع الصغير"، حديث رقم: 11099، والعجلوني، "كشف الخفاء"، حديث رقم: 396، حرف الهمزة، والحافظ الهيثمي، "مجمع الزوائد"، حديث رقم: 6237، والمراد بخبايا الأرض: ما يخبئه الزراع من البذور.
[2] "الفائق"، (1/350).
[3] انظر: "صحيح البخاري"، كتاب المزارعة، حديث رقم: 24933، و"صحيح مسلم"، كتاب البيوع، حديث رقم: 2863.
[4] رواه البخاري، (2152)، و"مسند أحمد"، رقم: 12038.
وكانت مُناسبة هذا الحديث: أنَّ رسول الله دخل على امرأة من الأنصار، وهي في نخل، فقال: ((من غرس هذا النخل: مسلم أم كافر؟))، قالت: مسلم، فقال رسول الله..."؛ الحديث، وانظر: أسلم بن سهل الواسطي، "تاريخ واسط"، (1/240).
[5] "صحيح مسند أحمد"، رقم: 12512.
[6] "ضعيف المصدر السابق"، 22420.
[7] "ضعيف المصدر السابق"، 15591.
[8] د. علي عبدالرسول، "المبادئ الاقتصادية في الإسلام"، ص16.
[9] ابن حجر العسقلاني، "فتح الباري شرح صحيح البخاري"، (1/306).
[10] السيوطي، "الجامع الصغير"، رقم: 2461.
[11] أبو بكر الشيباني، "الآحاد والمثاني"، (4/173)، والحافظ الهيثمي، "مجمع الزوائد"، مجلد 4، كتاب البيوع، رقم: 4269.
[12] عبد الحي الكتاني، "التراتيب الإدارية: نظام الحكومة النبوية"، (2/5).
[13] إبراهيم سليمان الكردي، "الحضارة العربية الإسلامية"، ص 135. 
 
[14] المرجع السابق، ص 137.
[15] السيد أبو النصر أحمد الحسيني، "الملكية في الإسلام"، ص 63.
[16] المرجع السابق، ص 63.
[17] ما أظن أن الشجرة تعمِّر مثل هذه الفترة قبل الإثمار، ولعله قصد أن فترة نموها قبل الإثمار تطول.
[18] البدري، "نزهة الأنام في محاسن الشام"، ص 185.
[19] انظر: ابن عساكر، "تاريخ دمشق"، (7/30).
[20] السابق، (25/102).
[21] عبد الحي الكتاني، "التراتيب الإدارية"، (2/51).
[22] "الترمذي"، رقم: 1299.
[23] من تلك السدود "سد قدس بالقرب من قرية قطينة بجوار أرض حمص، وكان يُسقى العاصي  بواسطته، وما اخترع له من النواعير جميع الأرض العالية في وادي نهر المقلوب، كما كانت العرب تسمي العاصي"؛ (أ/ محمد كرد علي، "خطط الشام"، 4/149).
ومن القنوات: قناة حلب التي كانت تسير تحت الأرض حتَّى تصل إلى قنسرين، انظر: (ابن العديم، "بغية الطلب"، 1/66، 73)، وقناة أنطاكية (السابق: 1/88).
[24] من تلك القناطر قنطرة دلوك التي كان يصعد إليها الماء إلى القلعة؛ انظر: (ابن العديم: بغية الطلب ج1 ص2611 )، وقنطرة أذنة التي كانت تعلو نهر سيحان، وقد أعيد بناؤها زمن الأمويين، ثم جددت في عهد المعتصم العباسي، (د/ علية عبدالسميع: الثغور البرية على الحدود البيزنطية، ص54، 55).
[25] انظر: أبو الفداء، "تقويم البلدان"، ص 263.
[26] انظر: شيخ الربوة، "نخبة الدهر"، ص 205.
[27] د/ علي عبدالرسول، "المبادئ الاقتصادية في الإسلام"، ص2122، ود/ أبو زيد شلبي، "تاريخ الحضارة"، ص265.
[28] ياقوت الحموي، "معجم البلدان"، (5/321)، بيروت، دار صادر.
[29] د/ أحمد مختار العبادي، "الحياة الاقتصادية في الدولة الإسلامية"، ص 3411، وانظر أيضًا: (ول ديورانت، "قصة الحضارة"، مجلد 4، ج 2، ص 107).
[30] شوقي أبو خليل، "الحضارة العربية الإسلامية"، ص 378.
[31] د/ إبراهيم سلمان الكردي، "الحضارة العربية الإسلامية"، ص 139، 140.
[32] أبو زيد شلبي، "تاريخ الحضارة"، ص 266.
[33] مر بنا حديث رسول الله: ((من كان له أرض، فليزرعها أو ليمنحها أخاه...)). 
[34] د/ أحمد فؤاد باشا، "التراث العلمي"، ص145.
[35] انظر: ول ديورانت، "قصة الحضارة"، (13/150).
[36] انظر: الجهشياري، "الوزراء والكتاب"، ص911؛ حيث ذكر أنَّ عمارة بن أبي حمزة كان يركب جواده، ومعه القُواد، فيفرقهم على المواضع المحفوفة بالمياه يحفظونها، وأمر بإحكام المثنيات.
[37] انظر: محمد بن عيسى الدمشقي، "المواكب الإسلامية"، ص 175. 
[38] د/ عبدالعزيز الدوري، "تاريخ العراق الاقتصادي في القرن الرابع"، ص 71.
 [39]  وأبو زيد شلبي، "تاريخ الحضارة"، ص266، 267، وآدم متز، الحضارة الإسلامية، ص 29.
[40] انظر ابن حوقل: "صورة الأرض"، ص 184.
[41] انظر: ابن عذارى، "المغرب في حلى المغرب"، (2/9).
[42] انظر: أبو زيد شلبي، "تاريخ الحضارة"، ص 267.
[43] علي بن محمد حبيب الماوردي، "الأحكام السلطانية والولايات الدينية"، ص 168.
[44] د/ فهمي عبدالجليل، "التنظيم الإسلامي للأراضي الزراعية، ص 699، وانظر: يحيى بن آدم، "الخراج"، ص48، ط ،2 سنة 1384 هـ.
[45] د/ فهمي عبدالجليل، السابق، ص 372/ وانظر: "الخراج"، لـ يحيى بن آدم، ص 70.
[46] الماوردي، "تسهيل النظر وتعجيل الظفر"، ص159.
[47]الجهشياري، "الوزراء والكتاب"، ص142، وص143. 
[48] انظر: ياقوت الحموي، "معجم البلدان"، (2/274).
[49] انظر: قدامة بن جعفر، "الخراج وصناعة الكتابة"، ص 46.
[50] انظر: ابن الأزرق، "بدائع السلك في طبائع الملك"، (1/2222)، والماوردي، "تسهيل النظر وتعجيل الظفر"، ص 59.
[51] جرجي زيدان، "تاريخ التمدن الإسلامي"، (5/17).
[52] د/ هاشم زكريا، "فضل الحضارة الإسلامية على العالم"، ص 462، 463 بتصرف.
[53] ول ديو رانت، "قصة الحضارة"، مجلد4، ج 2، ص 107، ط3، سنة 1971، القاهرة.
[54] د/ أحمد مختار العبادي، "الحياة الاقتصادية"، ص 377، 378.
[55] أ/ شكيب أرسلان، "غزوات العرب في فرنسا"، ص 238.
[56] أ/ أحمد أمين، "ظهر الإسلام"، (2/246)، ط4، 19666م، النهضة العربية.
[57] د/ عبدالحليم منتصر، "علم النبات"، ص91.
[58] د/ أحمد فؤاد باشا، "التراث العلمي"، ص 140، ط 2، سنة 1404 هـ.
[59] د/ أحمد فؤاد باشا، "التراث العلمي للحضارة الإسلامية"، ص 135.
[60] انظر: المسعودي، "مروج الذهب"، (1/129).
[61] أحمد فؤاد باشا، السابق، ص 1433، وانظر: المقدسي، "الإشارة إلى محاسن التجارة"، ص 29، 30.
[62] انظر: أحمد بن محمد المقري التلمساني، "نفح الطيب"، (6/292) وما بعدها.
[63] إبراهيم سلمان، "الحضارة العربية الإسلامية"، ص 159، 160.
[64] ابن العديم، "بغية الطلب"، (3/1022).
[65] انظر: ابن النديم، الفهرست، ص 220.
[66] السابق، ص 243.
[67] السابق، ص 243.
[68] أ/ محمد كرد علي، "خطط الشام"، (4/1599).



رابط الموضوع: http://www.alukah.net/publications_competitions/0/6326/#ixzz4mAH5sFpy

التعليقات

اقرا المزيد شارك تويتة

مرحبا بكم في قاعدة بيانات الزراعة المصرية

 

هذه الخدمة خدمة تجريبية و يسعدنا ان تترك لنا تعليقك او مقترحاتك للعمل على اظهارها بافضل شكل ممكن فاذا كنت شركة و ترغب في الانضمام الينا لبناء قاعدة البيانات من فضلك استخدم قائمة الدخول و قم بتسجيل مستخدم جديد و سنقوم بالرد عليك في موعد اقصاه ٢٤ ساعة لتفعيل مستخدمك الشخصي

 

مع تحيات ادارة الموقع

×
العودة للاعلى المساعدة البحث